أبو علي سينا

273

القانون في الطب ( طبع بيروت )

وتعينها والجمود يمنعها ، ولذلك جعل مزاج هذا الجزء من الدماغ مائلًا إلى الحرارة ، وجعل في الوسط ليكون له الرجوع من التخيل إلى التذكر ، وقد عرفت التخيل والتذكر في موضعه . وهذه العلة تعالج بتسخين الدماغ وترطيبه إن كان مع يبوسة ، أو بتحليل ما فيه الاستفراغات بالأدوية الكبار والقيء بالسكنجبين العنصلي وبزر الفجل إن كان عن مادة ، ومع ذلك ، فيجب أن يقبل على تنبيه القلب بالأدوية الخاصية به ، مثل دواء المسك والمثروديطوس والمفرح وما أشبه ذلك . ولا يجب أن نطول القول في هذا الباب ، فقد عرف وجه مثل هذا التدبير في القوانين فيما سلف . ويجب أن يكون مسكنه بيتاً مضيئاً ، وبالجملة فإن اليقظة والسهر وتلطيف الغذاء وتقليله والميل إلى مزاج أيبس وإلى تلطيف الدم وتعديله وتقليله وتسخينه بحيث لا يكون شديد الغليان والتبخير ، بل حاراً لطيفاً غير غالٍ ، هو مما يذكي الذهن ويصفيه ، ولا أعدى للذهن من الامتلاء عن أغذية الرطوبات ، واليبس يضر بالذهن لا من حيث النقصان ، ولكن من حيث الإفراط في سرعة الحركة ، أو من حيث قلة الروح جداً ، وانحلاله مع أدنى حركه . فصل في فساد الذكر هو نظير الرعونة ، إلا أنه في مؤخر الدماغ لأنه نقصان في فعل من أفاعيل مؤخر الدماغ ، أو بطلان في جميعه ، وسببه الأول عند جالينوس هو البرد ، إما ساذجاً ، وإما مع يبوسة ، فلا ينطبع فيه المثل ، وإما مع رطوبة فلا يحفظ ما ينطبع فيه . فإن كان مع يبوسة دل عليه السهر ، وأنه يحفظ الأمور الماضية ، ولا يقدر على حفظ الأمور الحالية والوقتية . وإن كان مع رطوبة ، دل عليه السبات ، وأنه لا يحفظ الماضية البتة ولعله يحفظ الوقتية الحالية مدّة أكثر من الماضية ، فإن كان هناك برد ساذج كان خَدر وسَدر . وربما كان من يبس مع حر ، ويكون معه اختلاط الذهن ، وذلك إما في ذلك الجزء من الدماغ نفسه ، أو في بطن منه أو في وعائه . وقد يكون لاختلاط أو سوء مزاج في الصدغين يتأدى إلى الدماغ . فقد ذكر هذا بعض المتقدّمين ، وهو مما جُرِّب وشوهد . وأكثر ما يعرض النسيان وفساد الذكر إنما يعرض عن برد ورطوبة ، وقد يكون عن أورام الدماغ ، وخصوصاً الباردة . واعلم أن النسيان إما عرض مع صحة أنذر بأمراض الدماغ القوية ، مثل الصرع والسكتة وليثرغس . علامات أسبابه وأصنافه : ينبغي أن يتعرّف ذلك من القوانين المذكورة ولا نكررها في كل علّة .